عام على مجزرة جسر الزيتون.. المحتجون في العراق يحيون الذكرى ويصرون على المحاسبة


يستعد المتظاهرون في الناصرية مركز محافظة ذي قار (360 كيلومترا جنوب بغداد) لإحياء ذكرى "مجزرة جسر الزيتون"، التي  وقعت في 28 نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي، والتي أدت إلى استشهاد وجرح العشرات من المتظاهرين، في واحدة من أكثر الأحداث دموية خلال الاحتجاجات التي شهدها العراق خلال عام من الآن.
وأصبحت حادثة الزيتون علامة فارقة في شكل الاحتجاج في الناصرية، وما أعقبها من تطورات في المظاهرات والمواجهات الساخنة التي وقعت بين المحتجين وقوات الأمن وأخرى مع مسلحين، وما رافقها من حرائق اجتاحت مقرات عسكرية، وموجة غضب استمرت أياما، مع إغلاق جسور المدينة، وحالة من الهلع سيطرت على الناس حينها.
وحادثة الزيتون وقعت عند الساعة 3:00 فجر ذلك اليوم، وكانت قوة عسكرية خاصة بقيادة الفريق جميل الشمري تقدمت لفتح جسر الزيتون المغلق من قبل محتجين، ثم بدؤوا إطلاق النار عليهم وهم نيام في خيم الاعتصام، وسقط العشرات بين قتيل وجريح، كما امتلأت جوانب الجسر بالدماء والملابس وبعض قطع الفرش.

وبعد يوم من الحادثة، احتشد آلاف المتظاهرين، وقاموا بحرق مقرات عسكرية لأفواج الطوارئ وعدد من سيارات الشرطة، وسط غليان وغضب كبيرين، حيث قررت الجموع بعد ذلك إحراق المقر الرئيسي لقيادة شرطة المحافظة، لكن وجهاء المدينة تمكنوا من إقناع المحتجين بالعدول عن ذلك.
وإثر ذلك، أغلق جسر الزيتون بالكامل من قبل المتظاهرين، الذين طالبوا بمحاسبة قتلة المتظاهرين وتقديمهم إلى القضاء، ورغم موقف الحكومة المندد بالحادثة فلم تظهر أي نتائج للتحقيق، وبقي الملف مفتوحا حتى الآن.
محاسبة القتلة
وعما سيقوم به المحتجون في الذكرى الأولى للمجزرة التي ستحل بعد أيام، بيّن الناشط في المظاهرات زياد العصاد أنه وزملاءه سيحافظون على السلمية، ويرفعون الشعارات لتذكير رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بدوره في محاسبة الجناة وتقديمهم للعدالة، لافتا إلى أن ذلك يعد اختبارا عمليا له.
وأضاف العصاد أنه في حال استمر تجاهل المطالب بمحاسبة القتلة، فإن أبناء الناصرية عاقدون العزم على تجديد "انتفاضة تشرين".
وحذر من أن "البركان الاحتجاجي" قابل لأن يثور مرة أخرى ويملأ الشوارع والساحات، ولكن هذه المرة بسقف أعلى ومطالب أكثر وزخم أكبر وضغط شديد.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات في الناصرية العام الماضي، كان جسر الزيتون بمثابة شريان رئيسي، حيث يتم قطعه مع كل موجة احتجاجية، وهي إستراتيجية اعتمدها المتظاهرون لشل حركة السير والسيطرة على الشارع خلال الاحتجاج وفرض الوجود.
وشكل هذا الإغلاق تحديا للسلطات الحكومية، التي أرسلت بدورها قوة عسكرية لفتح الجسور المغلقة بالقوة، لكن تلك القوة سرعان ما أغضبت المتظاهرين، وأدت إلى حصول حادثة جسر الزينون.
وحث الناشط محمد أكرم الجهات المسؤولة على الإسراع بمحاسبة القتلة، وكشف الحقائق بشكل شفاف ونزيه، مع تأكيد أن لغة الحوار يمكنها أن تجنب البلاد الكثير من الأحداث الدامية.
وكانت "المجزرة" -كما يوضح أكرم- قد تسببت لاحقا في أحداث فوضوية في الناصرية، وأدت بشكل واضح إلى إضعاف هيبة الدولة ومؤسساتها وكذلك الأجهزة الأمنية، وهو ما انعكس بالتالي على الوضع العام في ذي قار.
إحياء ذكرى الفاجعة
وأكد الناشط في الاحتجاجات عمار خضير أن جسر الزيتون يشكل رمزية للمتظاهرين بسبب حجم الدماء التي أريقت عليه، لذلك فإن الاستعدادات تجري للتحضير لإحياء الذكرى الأولى "للمجزرة".
واعتبر خضير أن الهدف من هذا الإحياء هو التذكير بحجم الدماء التي نزفت، وتطييب خواطر عائلات القتلى الذين سقط أبناؤهم في الحادث.

وطوال عام، كان جسر الزيتون مسرحا للعديد من المسيرات والوقفات الاحتجاجية، وشهد كذلك حضور عائلات ضحايا جسر الزيتون، الذين طابوا بمحاسبة القتلة.
وتعد حادثة جسر الزيتون أحد أبرز أسباب استقالة رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي، وأعقبتها استقالة محافظ ذي قار عادل الدخيلي، في حين تم تغيير مناصب أمنية عليا بالمحافظة.
مظاهرات
ولم يصدر أي قرار حكومي لمحاسبة المتهمين بالجريمة، سوى التعليق القضائي الذي صدر من مجلس القضاء الأعلى بعد يومين من وقوع الحادث، حيث كشف -في بيان- عن تحقيق عاجل في عمليات القتل التي حصلت ضد المتظاهرين في الناصرية، لكن ذلك كان مجرد تصريح إعلامي للتهدئة.
وأوضح مدير إعلام قيادة شرطة ذي قار العميد فؤاد كريم، بأن التحقيق ما زال مستمرا في قضية حادث جسر الزيتون، وأن الملف بحوزة القضاء، وأن مهمة الشرطة اقتصرت على تزويد القضاء بالتفاصيل حول يوم الحادث وما جرى فيه، واحضار الشهود، وأشار إلى أنه لم يتم اعتقال أحد في القضية.
ذوو الضحايا -من جانبهم- وللتأكيد على حقهم في محاسبة المتسببين في الحادث، قاموا بتجمعات ومظاهرات عدة؛ أمام محكمة الناصرية ودار القضاء بالمحافظة، مطالبين بمحاسبة قتلة أبنائهم، واستمروا على هذه الحال شهورا، في حين ندد متظاهرو ساحة الحبوبي (وسط الناصرية) أكثر من مرة بمرتكبي مجزرة الزيتون، وطالبوا باعتقال الجناة، ونظموا وقفات احتجاجية عدة، كما نجح ذوو الضحايا في الضغط لإصدار قرار منع سفر بحق الفريق جميل الشمري قائد القوة العسكرية المسؤولة عما حدث.
فتح الجسر
وبعد أشهر من المفاوضات بين القوات الأمنية والحكومة المحلية من جهة، وبين متظاهرين وذوي الضحايا بشأن إعادة افتتاح جسر الزيتون؛ وافق الجميع على ذلك بشرط تقديم قتلة المتظاهرين إلى القضاء ومحاكمتهم، حيث تم افتتاحه في 17 أيلول/سبتمبر 2020.
وكان افتتاح الجسر حدثا استثنائيا، حيث دفع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لنشر تغريدة على تويتر، قال فيها إن "إعادة افتتاح جسر الزيتون في الناصرية خطوة مباركة تستحق الثناء والشكر لأهلنا الطيبين وشبابنا الواعي".
وأضاف أن "هذه الخطوة تثبت أن الحوار لا ‏التصادم هو الطريق لفهم تطلعات شعبنا"، متعهدا بـ"مواصلة البحث عن الجناة وتقديمهم للعدالة".



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *