الطفلة رهف .. فساد مستشر وقوانين فوضوية

فوق سرير في مستشفى الصدر العام شرقي العاصمة بغداد، تمدد جسد الطفلة رهف نصير ذات الاعوام السبعة تتدلى منه انابيب الانعاش و تغطيه آثارُ التعذيب على وجهها وجسمها..

غائبة عن الوعي تتنفس باضطراب، هكذا قضت رهف ساعاتها الاخيرة قبل ان تفارق الحياة بفعل آثار التعذيب والضرب التي لم يقو جسمها الصغير على احتمالها ففارقت الحياة..

مسؤول مديرية العنف الأسري في وزارة الداخلية العميد علي محمد أعلن ان زوجة أبي رهف جاءت بها الى المشفى فاقدةً الوعي و ادّعت ان ارتفاع حرارتها السبب، لكن سرعان ما لاحظ الفريق الطبي آثار التعذيب والصعق الكهربائي على جسدها..

الوزارة أكدت انها تحركت بشكل سريع بعد ان جاءها النداء من مفرزة المشفى واكتشفت أن زوجة الأب هي من قامت بتعذيب الضحية، مؤكدةً توقيف المتهمة من قبل القاضي المختص..

غضب عام

الحادثة هزّت الرأي العام العراقي، فتناقلت حكايتها وصورها مواقع اخبارية عراقية وحولت مواقع التواصل الاجتماعي الى منصات غضب واحتجاج حملت مطالب بتحقيق العدالة للطفلة التي ماتت بسبب التعذيب وتشريع قوانين تحمي الأطفال من العنف..

“أشعر بالصدمة إثر ما تعرضت له هذه الطفلة البريئة، انه شيء مؤلم وفعل وحشي”، تقول الناشطة في مجال حقوق الانسان هناء ادوار، وتتساءل “هل من المعقول ان من يفعل هذا يمتلك قلباً”..

وتضيف ادوار في حديثها ل”درج”، “نواجه حالات كثيرة مماثلة، ضحيتها اطفال ونساء وكبار السن لكن اغلبها يبقى في الظل”..

واستنكرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان الجريمة وطالبت السلطتين التنفيذية و التشريعية بتفعيل القوانين الرادعة بحق من تسول له نفسه أن يعنف أطفالاً في العراق تحت اي عذر او مسمى.

تشريع نائم فوق فوضى قوانين

يخصص الدستور العراقي المادة 29 منه للاسرة، حيث تنص الفقرة الرابعة من هذه المادة على منع كل اشكال العنف والتعسف تجاه الاطفال في الاسرة والمدرسة والمجتمع، بينما تنص المادة 41/1 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، على عدم وجود جريمة اذا وقع الفعل استعمالاً لحقٍ مقرر بمقتضى القانون.

ويعتبر استعمالا للحق: تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الاولادَ القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً او قانوناً او عرفاً. أي أن افعال الضرب والعنف التي يمارسها الزوج تجاه زوجته والاباء تجاه أبنائهم استناداً للمادة المذكورة تعد من قبيل استعمال الحق والذي يعد بدوره سببا من أسباب الإباحة ، والتي بمقتضاها لا يمكن مساءلة الزوج أو الأبوين جزائياً ولا مدنيا عما يقع من إعتداء مادام قد استخدموا حقهم المنصوص عليه قانوناً بموجب المادة المذكورة أعلاه..

يشترط القانون أن يكون التأديب في حدود المقرر “عرفا وشرعاً وقانوناً” وهذا يعني ان التصرف العشائري ضمن حدود العرف وبالتالي القانون.

هذا القانون يراه حقوقيون ظالماً ومكرساً للعنف كونه يفسح المجال لممارسات ضرب وايذاء بحق الاطفال والنساء بذريعة “الشريعة” و “العرف”.

في حالة رهف، يقول الخبير القانوني علي جابر التميمي “يتم توقيف الجاني وفق المادة 405 القتل العمد، وإذا اتضح بعد التحقيق ان الجريمة وقعت بإرادة، ستتحول القضية الى المادة 406 القتل العمد مع الاصرار والترصد وعقوبته الاعدام واذا لم يتوفر الركن المعنوي، ستحاكم الجانية وفق المادة 410، وهي الضرب المفضي الى الموت وعقوبتها السجن 20 عاماً”

منذ 2015 يبيت مشروع قانون العنف الأسري في ادراج مجلس النواب العراقي دون تصويت أو حسم. وهذا القانون يفترض أن ينهي تداخل القوانين وتشابكها في حالات العنف الأسري، ويحاسب الاباء اذا عنّفوا الاطفال، والازواج اذا ضربوا زوجاتهم، يواجه “صدوداً نيابياً” حسب تعبير هناء ادوار، كامتناعهم عن الاعتراف بوجود حالات عنف أسري في المجتمع.

وعن مصير القانون تقول ادوار”مشروع القانون يمرر عمداً بدروب سياسية مظلمة”..

حجج الامتناع

يتضح من خريطة الشخصيات والهيئات الرافضة للقانون انتمائهم جميعا لجهات سياسية اسلامية، كذلك هي ذرائعهم وليدة الحجج الشرعية  والعرفية. وعلى مراحل عدّة واجه عدد من النواب القانونَ سراً بالامتناع او علناً بالتصريح ضده، موضحين اسبابهم والتي تتمحور دائماً حول تقاطع القانون مع شرقية واسلامية المجتمع العراقي..
يعتقد النائب في البرلمان العراقي عن كتلة النهج المتفرعة من حزب الفضيلة حسين العقابي، أن القانون إذا شرّع سينتهك قدسية العائلة العراقية ويفككها، ويقول في حديثه الى “درج” بأن العائلة “اخر صرح سليم في العراق”، معتبراًَ أن القانون العراقي يعالج بعض حالات الانتهاك في نصوص اخرى، “نحن مجتمع شرقي واسلامي، لا يمكن ان نستورد تجارب الغرب، لأنها ليست دائماً ناجحة”..

لا حق ولا أرقام للمسحوقين

مع ضياع دم المعنفين اسرياً و حقوقهم في فوضى القوانين، تضيع الارقام والاحصاءات التي ترصد حالاتهم ايضا، لكن تقريراً سابقاً للمرصد العراقي لحقوق الانسان أظهر ارقاماً مفجعة اذ ورد فيه أن 80% ممن هم ما بين السنتين و14 عاماً في العراق يتعرضون الى شكل من أشكال العنف كطريقة للتأديب أو ضبط السلوك بالضرب أو الصفع. وأشار التقرير الى أن 1من كل 3 أطفال يتعرضون لنوع من أنواع العنف..



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *