هل تصلح “الورقة البيضاء” قتامة الوضع المالي والاقتصادي للعراق؟

بعد إقرار مجلس الوزراء العراقي “الورقة البيضاء” للإصلاح المالي والاقتصادي، والتي قيل إنها تتضمن مئات الإجراءات الكفيلة بإحياء الاقتصاد العراقي واستثمار موارد البلاد، تتباين الآراء حول مدى جديتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالعراق، في ظل انخفاض أسعار النفط واستمرار تفشي فيروس كورونا.

مشروع حل وخريطة طريق

وقال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، إن “ورقة الإصلاح البيضاء التي قدمناها للقوى السياسية هي مشروع حل لأزمة إدارة الاقتصاد المزمنة، والاعتماد الكامل على النفط وعدم تنويع مصادر الدخل”، مشيداً بـ “‏تفاعل الأخوة في القوى السياسية مع الورقة وطروحاتها”.

أما وزير المالية العراقي، علي عبد الأمير علاوي، فأكد في مؤتمر صحافي، أن “الورقة البيضاء تمثل برنامجاً إصلاحياً للشؤون الاقتصادية والمالية، وستكون خريطة طريق للموازنات اللاحقة”، مبيناً أن “الإيرادات النفطية غير كافية لتغطية متطلبات الرواتب والتقاعد”، وأشار إلى أن “الهدف منها الوصول إلى وضع مستقبلي أفضل يواكب التطورات في العالم”.

وتابع، “نواجه تداعيات خطرة والورقة البيضاء خريطة طريق إصلاحية”، موضحاً أن “المنافذ الحدودية مرتبطة بحركة الاستيراد ولن تكون بأهمية النفط”، ولفت إلى أن “استيراد العراق يقدر بـ 60 مليار دولار في السنة، كما أن لديه التزامات دولية وإقليمية متعلقة باتفاقات تجارية”، مبيناً أن “السيطرة على المنافذ أمر مهم، وبدأنا بطريقة جدية لتطبيق نظام الأتمتة”.

ومن ضمن المقترحات التي تضمنتها الورقة الإصلاحية، فرض خفض الأجور والرواتب من 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي يتناقص الى 12.5 في المئة خلال ثلاث سنوات، فضلاً عن إصلاحات تشمل صندوق التقاعد من حيث فك ارتباطه بالموازنة العامة للبلاد، وصرف رواتبه من الصندوق.

وشملت البنود أيضاً خفض الدعم المالي للشركات المملوكة للدولة، وخفض الدعم الحكومي للناتج المحلي الإجمالي، واستيفاء أجور الطاقة الكهربائية “وفق التسعيرة العالمية”، وزيادة أجور الجمارك والضرائب، وإعادة هيكلة سلم الرواتب العامة من خلال إيقاف عمليات التوظيف والاستبدال الجديدة في القطاع العام، إضافة إلى تحديد سقف أعلى لرواتب الموظفين، وتطبيق ضريبة الدخل على مخصصات الموظفين والحوافز والعلاوات وغيرها من الإجراءات.

ورقة “قديمة حديثة”

وبينما يتحدث نواب في اللجنة المالية في البرلمان العراقي، عن أن “ورقة الإصلاح الاقتصادي” ستكون مجدية في حال توافر الإرادة السياسية لتطبيق بنودها، يشير آخرون إلى أنها تتطلب بعض التعديلات قبل الموافقة عليها.

ويقول عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، النائب أحمد حمه رشيد، إن “الورقة تشمل طروحات قديمة مشابهة لمقترحات صندوق النقد وعدد من الاقتصاديين، لكنها حديثة من حيث التجميع والصياغة”، مبيناً أن “أي اقتصاد في أي دولة يمر بالمرحلة التي بمر بها العراق في الوقت الراهن، يحتاج لمثل تلك الإصلاحات”، ويضيف لـ “اندبندنت عربية”، أن “ورقة الإصلاحات ستكون مجدية في حال التزام الأطراف السياسية بتطبيقها”، ويستبعد رشيد توافر إرادة سياسية لإنجاح الورقة الاقتصادية، لافتاً إلى أن “مصلحة الأحزاب تعتمد على وجود الفساد والفوضى”.

في المقابل، يرى نواب آخرون أن الورقة ربما تتطلب إجراء بعض التعديلات من خلال تحديدها بمدد زمنية، فضلاً عن الإبقاء على الدعم الحكومي لبعض القطاعات الأساسية.

ويشير النائب ناجي السعيدي، إلى أن “ورقة الإصلاح ستكون مجدية إذا أجريت عليها بعض التعديلات الأساسية”، موضحاً أنها تتضمن “إصلاحاً حقيقياً من الناحية النظرية، لكننا نبحث عن خطوات عملية لتطبيقها”، ويوضح السعيدي أن “من ضمن التعديلات المفترضة، إعطاء سقوف زمنية للإجراءات وآليات تطبيقها”.

ويتابع، “تجب معالجة بعض الثغرات والبحث عن تخفيف الآثار السلبية للورقة على المجتمع العراقي، من خلال إبقاء بعض الدعم الحقيقي والتقليل من الآثار السلبية على المجتمع، وتتضمن الورقة إصلاحاً للوضع الاقتصادي من خلال تقليل النفقات وتعظيم الإيرادات العامة للدولة، وبالتالي تحقيق الاستقرار المالي والنقدي والاقتصادي للبلاد”، ويؤكد أن “اللجنة المالية في البرلمان تناقش إجراء تعديلات إضافية للورقة، بما يتفق مع تحقيق المصلحة العامة”.

إجراءات بعيدة ومتوسطة

ويرى متخصصون في الاقتصاد، أن الورقة الإصلاحية ركزت على إصلاحات بعيدة ومتوسطة المدى، إلا أنها لم تقدم معالجات مجدية بما يتعلق بالأزمة المالية الراهنة التي يعانيها العراق، ويقول الخبير الاقتصادي محمود داغر إن “الورقة الإصلاحية تضم معالجات على المستوى المتوسط والبعيد، فضلاً عن طرحها إصلاحات سريعة وفورية، إلا أنها لم تحدد كيفية التصدي لحال التردي السريع في الاقتصاد العراقي القائمة الآن”، مشيراً إلى أن “التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية هو التصدي السريع لهذا الانهيار”، ويوضح أن “الورقة تركز بشكل كبير على خفض قيمة الدينار، وكأنه حل سحري سيخفف الأزمة الاقتصادية”، مبيناً أن هذا الأجراء “خاطئ ويعد ترحيلاً لمشكلات الاقتصاد على حساب العملة، ما قد يسبب إشكالات اجتماعية واقتصادية على الأفراد”.

ويعتقد داغر أن على الحكومة “البحث عن بدائل ترفد الموازنة بشكل سريع من خلال جباية الضرائب وتعظيم الإيرادات من المنافذ الحدودية وغيرها من الإجراءات”، لافتاً إلى أن أحد الإشكالات الأخرى في ورقة الإصلاح أنها “لم تعالج أزمة إضافة تعيينات في العام الحالي، واكتفت بإيقاف التعيينات في القطاع الحكومي”.

قوى الفساد وممانعة الإصلاح

وعلى الرغم من حديث الكاظمي عن تفاعل إيجابي من القوى السياسية العراقية مع ورقة الإصلاحات، إلا أن مراقبين يشككون في إمكان أن تتجاوب تلك القوى مع أية إجراءات إصلاحية، الأمر الذي قد يتسبب بضرب مصالح قوى سياسية “مستفيدة من الفساد”، وتصف المستشارة الاقتصادية السابقة، سلام سميسم “الورقة البيضاء” بأنها “سليمة اقتصادياً وعلمياً”، إلا أنها تساءلت عن مدى إمكان تطبيق بنودها، في ظل النفوذ الكبير لـ “قوى مستفيدة من استمرار الفساد في الدولة العراقية”، وتوضح أن “الجزء الأول من ورقة الإصلاح يتضمن تطبيقاً صارماً لسياسة البنك الدولي في ما يتعلق بإدارة الاقتصاد العراقي”، معبرة عن اعتقادها أن “الورقة مرت بإرادة دولية لتحرير الاقتصاد العراقي”.

وتشير سميسم إلى جملة إجراءات غائبة يجب أن تسبق تطبيق بنود الورقة لتعظيم الإيرادات العامة للبلاد، تتضمن “تصويت البرلمان بمنع تعدد الرواتب، فضلاً عن ضرورة توفر الإرادة السياسية، وإمرار حزم قوانين اقتصادية معطلة، ووضع مدد زمنية لتطبيق بنود الإصلاحات”.

وفي شأن تقليل رواتب الموظفين، ترى سميسم أنه “يجب أن تسبق هذا الإجراء خطط اقتصادية تقلل من ضغطها على الطبقات الوسطى والفقيرة”، لافتة إلى أن “تقليل الدعم عن المواطنين في البطاقة التموينية والصحة وقطاعات أخرى في الورقة البيضاء، سيؤدى إلى تجاوز نسبة الفقر حدود 50 في المئة”، وتستبعد نجاح ورقة الإصلاح الاقتصادي في ترميم الإشكالات المالية التي تمر بها البلاد، مشيرة إلى أن “معالجة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة يجب أن يسبقا أية إصلاحات اقتصادية”.

كسب سياسي

وفي مقابل الآراء المتعلقة بمدى نجاح “الورقة البيضاء” في ترميم الوضع الاقتصادي للبلاد، إلا أن باحثين في الشأن السياسي، يرون أنها ربما تصطدم بإرادات حزبية تنظر لها على أنها “عملية كسب سياسي” لحكومة الكاظمي، وتمهيد للقبول بـ “ولاية ثانية له”، إذ يعتقد رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن هذا الأمر قد يكون “أحد المعرقلات الرئيسة أمامها”.

ويضيف الشمري أن “طبيعة الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد تصعب تنفيذ الورقة الإصلاحية”، موضحاً أن “حكومة الكاظمي ربما تفكر بالاكتفاء بطرح الرؤية وترك تنفيذها إلى الحكومة المقبلة، خصوصاً مع قرب انتهاء ولايتها في يونيو (حزيران) المقبل”.

وحول إمكان أن تتسبب ورقة الإصلاحات بمواجهة بين الكاظمي وبعض الأطراف السياسية، يشير الشمري إلى أنه “على الرغم من عدم توقف المواجهة بين تلك الأطراف، إلا أن تلك الإصلاحات ستزيد من التعقيد بين الكاظمي وبقية الأطراف السياسية”، مضيفاً أن “بعض القوى ستجد أنها محاولة لإحراجها وتحميلها مسؤولية الإشكالات الاقتصادية التي تمر بها البلاد”.

ولعل واحدة من أكثر العقبات أمام تنفيذ بنود ورقة الإصلاح الاقتصادي، احتمال أن تنظر إليها القوى السياسية بأنها تمهيد لقبولها بـ “ولاية ثانية للكاظمي، تمكنه من تنفيذ تلك الرؤية”، بحسب الشمري، الذي ذكر أن “هذا الأمر ربما سيزيد القضية تعقيداً، فضلاً عن أن بعض القوى لن تمرر أي إجراءات اقتصادية إلا بحسابات الكسب السياسي”.

ويعتقد رئيس مركز التفكير السياسي أن “القوى السياسية سترفض جوانب عدة من ورقة الإصلاح، خصوصاً أن الإشكالات المالية استخدمت في مرات عدة بالصراع السياسي”، لافتاً إلى أن مهمة الكاظمي تتلخص بـ “محاولة العمل على تحييد تلك الخلافات عن الأداء الاقتصادي لحكومته”.



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *