تمسك الأحزاب والتيارات بمصالحها الخاصة يضع أزمة العراق أمام طريق مسدود

في وقت بلغت فيه الأزمة إثر الاحتجاجات الشعبية في العراق ذروتها، باتت البلاد أمام أمام طريق مسدود مع تمسّك قادة الأحزاب والتيارات بمكاسبهم المالية والسياسية ورفضهم لأي تنازل، بحسب خبراء ومسؤولين.

وتعمل معظم التيارات الشريكة في السلطة وفق مقولة "كلام الليل يمحوه النهار"، في تصريحاتها تأييد للإصلاح وعزم على مكافحة الفساد والاستجابة لطلبات المحتجين في بغداد ومدن الجنوب منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر، وفي الخفاء عمل متواصل على تقاسم المغانم والمناصب، بحسب ما تؤكد مصادر سياسية عدة.

ولم تغير الاحتجاجات التي راح ضحيتها نحو 350 شخصاً غالبيتهم من المتظاهرين، من الممارسات السياسية في بلد يحتل المركز 168 من أصل 180 على لائحة أكثر الدول فساداً، بحسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية.

ويقول مصدر مقرب من السلطة، في تصريح صحفي، إن "الوضع وصل إلى نفق مظلم، وليس هناك حل في الأفق للأزمة الحالية رغم الضغط الشعبي الجاري".

من جهته، يرى سياسي عراقي بارز، أن مسؤولي الأحزاب والكتل "يرفضون الخروج من التشكيلة الوزارية التي تضيّع مكاسبهم".

"شراء المناصب"

ورغم ضغط الاحتجاجات المطلبية غير المسبوقة , تتمسك السلطة بنظام المحاصصة، وبحسب الخبير الاقتصادي علي المولوي، فقد "زاد عدد موظفي القطاع العام ثلاثة أضعاف منذ 2003، بينما كانت الزيادة في الرواتب التي تدفع لهؤلاء، تسعة أضعاف".

وبلغ حجم رواتب القطاع العام 36 مليار دولار، أي نحو ثلث موازنة العام 2019 التي تعد الأكبر في التاريخ الحديث للعراق.

ومن المتوقع أن ترتفع قيمة هذه الرواتب في موازنة 2020، مع سعي السلطات لزيادة الانفاق وتوفير مزيد من الوظائف أملاً بتهدئة المحتجين، ومحاولة خفض نسبة البطالة التي تبلغ 25 بالمئة لدى الشباب.

ويقول مصدر حكومي إن "المناصب باتت تخضع لمنطق البيع والشراء"، موضحاً أن "وزارة معينة تخصص لحزب سياسي، ويقوم الأخير ببيعها لمن يدفع المبلغ الأكبر"، ويشير إلى أن "بعض الوزارات بيعت بـ20 مليون دولار".

وفي بلد متعدد الطوائف والانتماءات، باتت هذه العوامل أساسية في التعيينات الرسمية، بحسب الباحث العراقي حارث حسن، الذي يوضح أن "صيغة الحكم (الإثني-الطائفي) وزعت السلطة والموارد بين العديد من اللاعبين" المؤثرين في التركيبة الحاكمة، مشيراً إلى أن هؤلاء "استفادوا من ضعف المؤسسات الرسمية لتعزيز سلطاتهم الذاتية".

وفي الآونة الأخيرة، وبينما كان عشرات الآلاف من العراقيين في الشارع يطالبون بـ"اسقاط النظام" والإصلاح، تسربت قائمة بتعيين عدد كبير من المدراء العامين والوكلاء في الوزارات وفق انتماءات حزبية وسياسية.

فعلى سبيل المثال، عيّن فالح، شقيق هادي العامري رئيس ائتلاف "الفتح" وزعيم منظمة "بدر" المقربة من إيران وأحد الداعمين لوصول عبد المهدي إلى السلطة، رئيساً لدائرة المنظمات في وزارة الخارجية، والتي تتعامل مع غالبية المنظمات الدولية.

وبحسب دبلوماسي عراقي طلب عدم كشف اسمه، فإن "فالح العامري لا يتقن الإنكليزية، ولم يسبق له شغل منصب رسمي".

كما عيّنت شقيقة العامري مستشارة في وزارة الخارجية، فيما عيّن جعفر الصدر، ابن عم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، سفيراً للعراق في لندن، وهو الآخر لا يجيد الإنكليزية، وعيّن أحمد الصدر، ابن شقيق مقتدى، في منصب السكرتير الأول بالسفارة.

وبحسب المصدر الدبلوماسي، لا يمكن شغل هذا المنصب قبل 13 عشر عاماً من الخدمة في السلك، وهو أمر غير متوافر في الموظف المعين.

ويتساءل المصدر ذاته "كيف لبلد مثل العراق التواصل مع العالم وإيصال مشاكله عبر تعيينات لأشخاص دون كفاءة ولم يعملوا في مجال الدبلوماسية، ولم يوقعوا في حياتهم على ورقة واحدة ولم يتخذوا قراراً؟".

"كسر غصن الفساد "

يسمع المتظاهرون بوعود وخطوات تبقى عملياً دون أي تطبيق فعلي، ففي مجال مكافحة الفساد المالي على سبيل المثال، أعلن رئيس الوزراء قائمة بـ60 اسماً من المتورطين وأحالهم إلى هيئة النزاهة المختصة بمكافحة مختلف الفساد في الإدارات الرسمية، وإن كان دورها شبه معطل بسبب الضغوط السياسية المتبادلة من قبل أطراف مختلفة.

وأصدرت الهيئة أوامر توقيف بحق مسؤولين غالبيتهم من الوزراء والمحافظين السابقين، لكن يرجح أن تبقى حبراً على ورق نظراً لأن غالبيتهم خارج البلاد، والبقية اتهموا بقضايا صغيرة لا تقارن بحجم الشبهات التي تحوم حول المسؤولين الكبار.

وباتت المناصب الرسمية جزءاً من وضع يد الأحزاب على مقدرات الدولة ومواردها المالية والعقود والاستثمارات



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *