تقرير: لماذا يصف قادة العراق الاحتجاجات بأنها مؤامرة؟

أعادت الاحتجاجات العراقية تشكيل خارطة التحالفات السياسية من خلال انبثاق كيانات جديدة احتفظت إلى حدٍ ما بوجوه زعامات قديمة، فلم تتقبل بعض القيادات بروز تيارات جديدة من ساحات الاحتجاج لتصحيح أخطاء متراكمة طيلة 17 عاما.
وأثارت التحولات الداخلية والخارجية التي رافقت الاحتجاجات، الكثير من التساؤلات حول مدى ارتباط الحركة الشعبية بجهات خارجية تعمل وفق مؤامرة لضرب النظام السياسي القائم منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، إضافة إلى استهداف نسيج المكونات العراقية.
الفوضى بوابة المؤامرة
وفي هذا السياق يعتبر الناشط المدني والمتظاهر مشرق الفريجي، أن النظام السياسي ما بعد 2003 تحكمه قوى وكتل لديها المال والسلاح، وهذه الحال أقرب مما يمكن وصفه بالمرحلة الدكتاتورية، ويؤكد أن الدكتاتورية التي تتمتع بها تلك الأطراف ترفض أن ينافسها جيل واعٍ ولديه رؤية قادرة على تصحيح الأوضاع، فتلجأ تلك الأحزاب إلى ترويع المتظاهرين وتخويفهم واتهامهم بالمؤامرة والعمالة.
ويتقاطع رأي الفريجي إلى حدٍ ما مع رأي تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، والذي يؤيد المظاهرات السلمية التي شهدتها البلاد مؤخرا، لكنه يعتبر أن كل احتجاج يخرج عن نطاق سلميته يتحوّل إلى مؤامرة ضد النظام السياسي الحالي ويهدد أمن واستقرار العراق، مما يستدعي تدخل الحكومة لردع الفوضى، كما يؤكد القيادي في التحالف طاهر الدراجي.
ويرى الدراجي أن القوى السياسية تدعم المطالب المشروعة للمتظاهرين، لكن هذه الاحتجاجات قد تُصنف في خانة المؤامرة إذا تحولت مطالبها المشروعة إلى الفوضى ومواجهة القوات الأمنية بشكل مباشر.
ويؤكد أن الاحتجاجات لم تفرز نتاجا سياسيا واضحا قادرا على تصحيح المعادلة، وإنما كان هنالك شخوص استغلوا دماء ضحايا المظاهرات سعيا منهم للحصول على مناصب تنفيذية في الحكومة الحالية التي يرأسها مصطفى الكاظمي.
حلول معطّلة
وبدأ العراقيون بالخروج على مدى السنوات الماضية إلى الشوارع للمناداة بأبسط حقوقهم التي يتصدرها التوظيف العادل في مؤسسات الدولة وتحسين خدمة الكهرباء، وضمان وصول مياه الشرب، فضلا عن وقف الهدر والفساد وثراء المسؤولين على حساب شعبٍ يئن من وطأة الفقر.
ويؤكد سكرتير اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي أن المظاهرات انطلقت بعد تردي الأوضاع السياسية والأمنية وانتهاك السيادة، وهذه التحديات جعلت المتظاهرين في مواجهة مباشرة مع السلطة الحاكمة في العراق.
ويشير فهمي إلى أن هذه الأخطاء لا يمكن معالجتها إلا بتغيير المنظومة السياسية بالكامل خصوصا تلك القوى والأحزاب الماسكة لحكم العراق منذ عام 2003، خاصة وأن بعضها بات غير قادر على إصلاح الأوضاع المتردية في البلد، فلجأ إلى إطلاق عبارات التخوين والعمالة، وآمن بنظرية المؤامرة بعد يقينه بقدرة المتظاهرين على تحقيق الإصلاح السياسي والأمني الذي خرجوا من أجله.
تهميش المكونات
واستبقت احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019 أحداث واحتجاجات كثيرة بدأت عام 2013، وهي تلك المظاهرات التي شهدتها مدن غرب وشمال غرب العراق، وانتهى المطاف بها إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها.
وهذا الاستذكار وجد فيه تحالف القوى العراقية بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ضالته عندما قال إن بعض القوى السياسية تعاملت على أساس طائفي مع مظاهرات المناطق الغربية واعتمدت مبدأ التخوين مع احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول.
ويؤكد النائب عن التحالف عبد الخالق العزاوي، أن الحكومات السابقة اعتبرت متظاهري المناطق الغربية إرهابيين، وهذا التعامل تكرر مع مظاهرات الجنوب عندما صنفت احتجاجات أكتوبر مؤامرة دولية.
ويرى النائب العزاوي إمكانية تحقيق تغيير سياسي في الانتخابات المبكرة بعيدا عن المؤامرة السياسية، إذا نجح الشباب في تنظيم صفوفهم عبر كيان يجمع كل المحتجين.
وتعليقا على ذلك يؤكد الناشط المدني مشرق الفريجي، أن تصحيح النظام الحالي لن يكون عبر نظرية المؤامرة، وإنما بهدم المفاهيم التي بُني عليها النظام السياسي طيلة 17 عاما، مؤكدا أن الاحتجاجات أفرزت جيلا شبابيا قادرا على إدارة الأوضاع الراهنة.
وفي المقابل يرى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني أن المظاهرات حق مشروع للشباب المنتفض في المناطق الجنوبية من البلاد التي تعاني شح مياه الشرب وانعدام الخدمات، لكن فشل القوى السياسية في بغداد في معاجلة الأخطاء المتراكمة وسيطرتها على مقدرات الدولة من خلال منعها ولادة بديل سياسي ناجح يعمل على تصحيح المسار هو ما يجعل الكتل تطلق نظرية المؤامرة على الاحتجاجات.
ويقول القيادي في الحزب عماد باجلان، إن بعض القوى السياسية في بغداد لم تكتفِ بنظرية المؤامرة وتخوين المتظاهرين فقط، وإنما عملت على تصدير الأزمة إلى كردستان من خلال دعم بعض الشخصيات في الإقليم التي نفذت أجنداتها من خلال تأجيج الشارع الكردي ضد القيادة السياسية الكردية.
إطار قانوني
ويتحدث الكاتب والباحث السياسي بسام القزويني، عن أن القوى السياسية في العراق لم تؤطر نفسها بالأطر القانونية ولم توفر للمواطن العراقي المتطلبات الرئيسية في القطاعات الأمنية والسياسية والاقتصادية والتي ينادي المتظاهرون بإصلاحها، ويشير إلى أن عجز القوى السياسية عن تحقيق هذا الإصلاح هو ما يدفعها إلى إطلاق سلسلة من الاتهامات تجاه المتظاهرين، فضلا عن أن هناك جماعات ضغط لجأت إليها بعض الكتل لاستخدامها في ترهيب وإخافة المتظاهرين بهدف إيقاف مشاركتهم في ساحات الاحتجاج.



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *