القدس العربي: إسرائيل تضرب بحساب لا يضطر واشنطن للانسحاب من العراق

بينما لم تتهم الرئاسات الثلاث في العراق (الجمهورية والحكومة ومجلس النواب) إسرائيل صراحة بشن 4 هجمات على مواقع لقوات “الحشد الشعبي”، وهجوم خامس على رتل عسكري قرب الحدود مع سوريا، فإن “الحشد الشعبي” يحمل المسؤولية لإسرائيل بالدرجة الأولى، والولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الثانية.
أثارت الهجمات الإسرائيلية، أو المفترض أنها إسرائيلية، استياءً واسعا في الأوساط السياسية والاجتماعية العراقية من الحكومة، لأنها لم تتخذ موقفا واضحا، مكتفية بتشكيل لجنة تحقيق، من دون اتهام إسرائيل، خلافا لموقف “الحشد الشعبي” (قوات شيعية عراقية مقربة من إيران).
وسّعت إسرائيل، في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب الماضيين، جغرافية هجماتها على مستودعات أسلحة وذخيرة تابعة لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، لتشمل العراق، بعد مئات الهجمات على مواقع مماثلة في الجارة سوريا، طيلة عامين.
وتعرضت 4 معسكرات أو قواعد تابعة لـ”الحشد الشعبي” لهجمات، ولم تكشف التحقيقات الرسمية المعلنة عن أدلة تدين إسرائيل.
وتعتزم بغداد رفع شكوى في الأمم المتحدة ضد إسرائيل، في حال تم التوصل إلى أدلة تدينها، بحسب مصادر بمجلس النواب تحدثت لوسائل إعلام محلية.
وتعرض مستودع للأسلحة قرب قاعدة “بلد” الجوية، التي تستخدمها القوات الأمريكية، لغارة، في 20 أغسطس/ آب الماضي.
وتلك الغارة هي الرابعة في سلسلة غارات على مواقع لـ”الحشد الشعبي”، منها هجوم على معسكر “أمرلي” بمحافظة صلاح الدين (شمال) في 19 يوليو/ تموز الماضي، ومعسكر “أشرف” بمحافظة ديالى (شرق)، في 28 من الشهر نفسه.
كما تعرضت قاعدة “الصقر” العسكرية قرب حي الدورة جنوب بغداد لغارة، في 12 أغسطس/ آب الماضي، إضافة إلى هجوم على سيارتين عسكريتين قرب مدينة القائم على الحدود مع سوريا، في 25 من الشهر نفسه؛ ما أسقط قتلى، بينهم قيادي بارز في “الحشد”.
واتهم “الحشد الشعبي” إسرائيل باستهداف الرتل العسكري قرب مدينة القائم، عبر المجال الجوي السوري، الخاضع لسيطرة الولايات المتحدة، لكن الأخيرة نفت في اليوم التالي أي صلة لها بالهجوم أو أية هجمات مماثلة بالعراق.

“الحشد” والحكومة
بشكل واضح، يركز خطاب القوى السياسية على اتهام إسرائيل وعجز الحكومة العراقية عن اتخاذ موقف رسمي صريح.
وحمّل نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي”، أبو مهدي المهندس، الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية استهداف معسكرات “الحشد”، عبر أربع طائرات إسرائيلية من دون طيار أدخلتها واشنطن إلى العراق لتنفيذ الهجمات.
وهو ما نفاه رئيس الهيئة، فالح الفياض، بقوله إن تصريحات المهندس لا تمثل الموقف الرسمي لـ”الحشد الشعبي”، مع إقراره بأن الانفجارات في مخازن الأسلحة والذخيرة كانت “عملا خارجيا مدبرا”.
ولم يصدر عن الحكومة العراقية أي بيان يؤكد أو ينفي صحة تصريحات للمتحدث باسم “الحشد الشعبي”، أحمد الأسدي، قال فيها، نهاية أغسطس/ آب الماضي، إن تحقيقات أجرتها الحكومة خلصت إلى “أدلة قاطعة” بوقوف إسرائيل خلف “بعض” تلك الانفجارات.
ولم يتجاوز موقف الحكومة المعلن مستوى التلميح بمسؤولية إسرائيل دون ذكر اسمها.
ويفتقر موقف الحكومة للوضوح بشأن تعريض أمن وسيادة العراق للخطر، بسبب أنشطة إيران المباشرة، أو عبر فصائل حليفة لها، في استخدام العراق منصة لتهديد الدول الأخرى، ومنها إسرائيل.

تلميح وتقارير إسرائيلية
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 22 أغسطس/ آب الماضي، إن إيران تقيم قواعد لها ضد إسرائيل في كل من العراق واليمن وسوريا ولبنان.
وأضاف أن إسرائيل تعمل ضد إيران في العراق وجبهات أخرى عديدة، مشددا على أن طهران لا تمتلك حصانة في أي مكان.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين أمنيين أن إسرائيل هي التي استهدف معسكر “الحشد الشعبي” بمحافظة صلاح الدين.
وأضافوا أن إسرائيل تعتقد أن الحرس الثوري الإيراني يستخدم المعسكر لتجميع أو تطوير صواريخ متوسطة المدى لاستهداف إسرائيل مباشرة أو بعد نقلها إلى سوريا ولبنان، عبر الأراضي العراقية.
وذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الهجوم على معسكر تابع لكتائب “حزب الله” العراقي قرب قاعدة “بلد” الجوية شمال بغداد، في 20 أغسطس/ آب الماضي، نفذته طائرات إسرائيلية من طراز F-35، وهي تمتلك قدرات صاروخية متطورة تستطيع اختراق التحصينات الإسمنتية والترابية لمستودعات تخزين الصواريخ البالستية، التي يُعتقد أنها الهدف من تلك الغارة.

القوات الأمريكية
يمكن لزيادة التصعيد الإسرائيلي في العراق أن يثير مزيدا من الانقسامات بين الكتل السياسية العراقية التي تباينت مواقفها من تلك الهجمات.
ومن المحتمل أن تزيد حدة الخلافات بين قيادات الفصائل والحكومة، برئاسة عادل عبد المهدي، والتي يبدو أنها فشلت في اتخاذ موقف واضح.
والتزمت الحكومة بخطاب عام حاولت من خلاله تجنب الاصطدام بـ”الحشد الشعبي” أو إغضاب الولايات المتحدة أو إيران، التي ترفض سياسة بغداد المعلنة بالنأي عن الصراعات.
ويتناقض موقف الحكومة العراقية مع موقف “الحشد الشعبي”، الذي لطالما أعلن وقوفه بجانب إيران، واستعداده لقتال القوات الأمريكية وضرب مصالحها في العراق.
من المحتمل أن يؤدي استمرار الهجمات الإسرائيلية في العراق إلى ردود أفعال من “الحشد الشعبي”، باستهداف مصالح ومنشآت مدنية وعسكرية أمريكية في العراق.
وهو ما قد يدفع واشنطن إلى سحب ما تبقى من قواتها في العراق، وفي سوريا أيضا، مما يعطي إمكانيات أكبر لنفوذ إيراني أوسع في العراق وسيطرة القوات الحليفة لها في سوريا على مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، المعتمدة بشكل كلي على الدعم والإسناد الأمريكي متعدد الجوانب.
تدرك إسرائيل أن سحب القوات الأمريكية من سوريا سيعزز نفوذ إيران والقوات الحليفة لها في سوريا، مما يزيد من المخاطر المحتملة على الأمن الإسرائيلي.
لذلك من غير المستبعد أن تخفف إسرائيل من هجماتها على مواقع “الحشد الشعبي” في العراق، على الأقل في المرحلة الراهنة، مع احتمالات توجيه ضربات في فترات زمنية متباعدة، وهو الأرجح.



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *