حكومة مصلحة أم سنوات ضائعة أخرى.. هشام الهاشمي

الانتخابات تجلب معها التغيير، ولكنها قد تجلب معها أيضاً نكسات وبلايا جديدة، وكل نكسة يمكنها أن تتحول إلى فرصة. فالمصائب والبلايا أثناء الحرب على داعش خلقت أيضاً ظهور فاعلين ومؤثرين جدد في العراق، وهيّأت لظهور خطاب وقوى جديدة سائرون والفتح والقرار وبيارق الخير ..هذه الفرصة قد تمهد لصناعة ظروف جديدة لأنهاء نازلة الفساد
.
وينبغي أن نستفيد من التغيير المتاح في الانتخابات، والقفز إلى الأمام على طريق التنمية الأقتصادية. إننا نعيش اليوم تحولات تشبه بحجمها وعمقها تلك التي كانت سائدة عام 2005. نأمل ألا يكون عام 2018 المقبل أيضاً «عاماً ضائعاً» من عمر العراق
..
مفاوضات ومشاريع
..
مشروع "سائرون" قد يكون متفائلا بوعود بعض زعامات القوائم الفائزة لأنها سوف تسهّل له تنفيذ برنامجه والتعاون على صناعة حكومة "تكنوقراط مستقلة" تبدأ من رئيس الوزراء وصولاً الى تصحيح المسار في كل مؤسسات الدولة العراقيّة، ويؤكد الصدر في تغريداتها الأخيرة أن لا حدود لمشروعه التصحيحي والإصلاحي
.
‏مشروع "الفتح" جعل إنقاذ العراق اقتصادياً هدفه السياسي الأول وتحقيق ما يسميه الشراكة السياسيّة"حكومة الوفاق الوطني" وبدون فيتو على أي قائمة فائزة، ويعني بها إشراك الجميع في صناعة القرار وبحسب الأوزان الأنتخابية، والسيطرة على الخلافات الطائفية والقومية والحزبية باسم الشراكة
.
‏مشروع القوائم السنّية الفائزة " الوطنية، القرار، قوائم الكربولي" هو في واقع الحال مشروع احيائي للبيت السياسي السنّي مرة أخرى، يكرّر ما كان يقوله " اتحاد القوى السنّية" في الأزمة السياسية للسنوات الاربع الفائتة: حكومة شراكة.. شراكة قرار ..شراكة صلاحيات
.
مشروع التحالف الكردي يستخدم مهارات التفاوض بعنوان سياسي صريح، ولا يحسم التفاوض إلا باتفاق إجباري يضمن تحقيق الحد الأعلى من امتيازاته، ولا يرغب بشراكة حكومية إلا بشركاء ضعفاء خاضعين لمنطق السوق "هات وخذ
".
‏مشروع الحكمة يشبه مشروع سائرون الا أنه يشترط "التكنوقراط الحزبي" وإن نقطة قوة مشروع الحكمة ليس عدد مقاعده ولا احترافهم السياسة ولا العمق الديني والتاريخي لآل الحكيم، بل تكمن قوته في ضعف إرادة القوائم الشيعيّة الكبيرة أن تذهب الى المعارضة البرلمانية والحكومية
.
‏ويناهض مشروع دولة القانون -وسيظل كذلك- على انهيار خصومه أمام رغبة غالب الفائزين بالعيش في جلباب المحاصصة، أي الشيعة والسنة والكرد، فيمسخ طبيعة الصراع، وكأنه قتال ضد تهميش السنّة والكرد والقوائم الصغيرة الفائزة
.
يراهن مشروع النصر على التحالف مع سائرون وعلى التذكير بنجاحات الدكتور العبادي الداخلية والخارجية، والتلويح بورقة الاصلاح الإقتصادي لتحقيق أهداف سياسية صريحة لا تقلّ عن منصب مجلس رئيس الوزراء، وإدارة التكنوقراط للوزارت بعيدا عن المواقف السياسية واللجان الإقتصادية.لقاء بعد قطيعة بين قادة الفتح والقانون والحزبين الكرديين؛ اثبت لي أن النزاعات والصراعات السياسيّة مهما كانت عميقة بل حتى لو مست الثوابت والقيم الحزبيّة لا تظل دائما إلا صراعات يطويها التاريخ وقد لا يرويها، وحتى النخب الثقافية والسلطوية الحزبية تعفو عن كثير وخطير ما حدث عندما يتعلق الموضوع بالمصلحة المشتركة وتقاسم السلطات، وهذا الصلح يجري في الوقت نفسه في المجتمع من عامة الانصار والاتباع وعليهم
.
وأظن أن الحوار قد دار على تقبل طرفي الصراع الدخول والمشاركة بالحكومة العراقية القادمة لكن بشروط كردية يعتبروها شروطًا ضرورية تصحيحية لمسار ما حدث بعد تاريخ استفتاء اقليم كردستان، وأن هذه الشروط بالنسبة للكرد تعتبر خياراً وجوديا وليس اعتباريا تكميليا، وهذه فرصة لهم من جهة وأيضاً لزعامة دولة القانون والفتح من جهة أخرى لتخفيف شروط سائرون والنصر عليهم
.
ليبرو اسلامي
..
ظهرت في السنوات الثلاثة الأخيرة أطروحة تقارب اليمين الإسلامي المعتدل من الحركات الشيوعية والعلمانية والليبرالية واللاادرية؛ أطروحة جديدة تتعلق ببدايات الحراك الإسلامي المدني في تشاركية احتجاجية نهاية تموز عام2015 في ساحة التحرير ببغداد وفي مناطق متعددة في البصرة والناصرية وبابل والنجف وكربلاء
..
إن الصدمة التي أحدثها الفساد الحكومي والبرلماني للطبقة المتوسطة والفقيرة العراقية دفعت الجماهير بالخروج الى تظاهرات عفوية انطلقت من البصرة بسبب أزمة الكهرباء وانتشرت بعد ذلك، وتوالت التظاهرات منذ ذلك الحين مركّزة على الفساد الحكومي والبرلماني بكل أشكاله
.
ففي بغداد قامت تنسيقية بين التيار الصدري والحراك الشعبي المدني والتي بعثت روحًا جديدة في طرائق التنسيق والتكامل التنظيمي في انتخاب القضية المركزية وتوزيع الأدوار فيما بينهم
.
في بغداد وبنفس التاريخ والمناسبة انبثقت تنسيقية احتجاجية اصلاحية مدنية لا ترى مسوغاً من التقارب مع اليمين الإسلامي المعتدل، وهي تمتلك قيادة نخبوية مثقفة ولها خلفيات ثقافية متعددة، ولم تصمد طويلا بسبب الانشقاقات المتعددة بين اتجاهين، أحدهما يرى ضرورة الاستمرار لوحدهم، والآخر يرى لا جدوى من الإستمرار على أية حال
.
وما عاد هناك شك اليوم بين المراقبين في الحركات السياسية الجديدة أن حركة "سائرون" هي نتاج لحركة احتجاجية احيائية "ليبرو اسلامية
".
لكن من المراقبين من يذهب الى أن تلك الحركة تفتقر الى الترابط التنظيمي والآتساق الفكري والخطاب الواعي
.
صحيح إن هناك قاسماً مشتركاً بين طرفي الخلطاء من حيث التوجهات والأهداف والستراتيجيات، تمثل في الدعوة لتعزيز الثقة بالهوية الوطنية العراقية والاعتراف بالآخر ونبذ المحاصصة السياسيّة والذهاب الى ترميم مؤسسات الدّولة وصناعة تعويذة فاعلة لتعافي العراق من لعنة مخلفات بول بريمر وتنسب إليها كل النكسات والبلايا التي أصابت العِراق 2003-2018
.
وهناك حركة "ليبرو اسلامية" ظلت خارج سياق اضواء الصحافة والباحثين؛ قوائم إياد العلاوي وشراكته مع الأخوان المسلمين والصوفية وقوائم الحزب الإسلامي منذ 2010-2018، وهي استطاعت ان تنجز الكثير من مهام التعايش والمصالحة الوطنية وتخفيف الاحتقان الطائفي والقومي عدا فشلهم في احتواء الغضب



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *