حرب جيران العراق اللاأخلاقية: الجفاف مقابل الصداقة

كتب.. مسلم عباس

تتعرض محافظات جنوبي العراق إلى أزمة مياه هي الأكثر سوءا منذ سنوات، وباتت تهدد بتوقف مشاريع المياه الصالحة للشرب، بعد أن أثرت بشكل كبير على جميع الأنشطة الزراعية في المحافظات التي تعتمد على مياه نهري دجلة والفرات.

ويعاني العراق منذ سنوات من انخفاض متواصل في الإيرادات المائية، بسبب بناء تركيا لعدة سدود على منابع نهر الفرات ابرزها سد اليسو، وفاقم أزمة شح المياه كذلك تدني كميات الأمطار المتساقطة في البلاد على مدى السنوات الماضية.

وزاد أزمة شح مياه نهري دجلة والفرات مشكلة التلوث بأغلب المحافظات الجنوبية، حيث تصل ذروتها في محافظة البصرة ومناطق الأهوار الجنوبية، التي أصبحت مقرا للملوثات الصناعية، وذلك نتيجة رداءة المياه التي تصل بعد أن تمر بعدد كبير من المناطق، فضلا عن قلة الإطلاقات المائية التي تصل إلى الأهوار.

وتعد الأنهار في العراق المصدر الرئيسي للمياه، وتليها بدرجة أقل مياه الأمطار والمياه الجوفية، وتقدر كمية مياه الأنهار في العراق بنحو 77 مليار متر مكعب سنويا، في المواسم الجيدة، ونحو 44 مليار متر مكعب سنويا في مواسم الجفاف، في حين يقدر إجمالي معدل الاستهلاك لكافة الاحتياجات في العراق بنحو 53 مليار متر مكعب سنويا، مما يعني حدوث عجز في السنين الجافة التي تشهد تناقص مياه الأنهار.

العراق مقبل على أزمة مياه في السنوات القادمة؛ بسبب المشروع التركي في جنوب شرق الأناضول الذي سيؤدي إلى تصحُّر العراق -الشريك التجاري الثالث لتركيا بعد ألمانيا والمملكة المتحدة، والمصدر الأول للنفط إليها- والمنشغل في توطيد الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحصار الدولي، والاحتلال الأمريكي، وتهديد الجماعات الإرهابية.

واتفق العراق وتركيا في مارس/آذار 2017 على تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في 2014، والتي تضمنت 12 فقرة، أبرزها التعاون في مجال إدارة الموارد المائية لنهري دجلة والفرات، وتحديد الحصة المائية لكل دولة في مياه النهرين، بالإضافة إلى أهمية تقييم الموارد المائية وزيادة استخدام المياه في المجالات الزراعية والصناعية وما يتعلق بمياه الشرب. الا ان ازمة المياه عادت قبل أيام بعد انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات بشكل غير مسبوق ما اثار ضجة شعبية ودعوات لمقاطعة كل من تركيا وايران لقطعهما المياه عن العراق.

ويواجه العراق أزمة مائية خطيرة، فقد انخفضت مناسيب نهر دجلة وسد الموصل بشكل كبير، بعدما بدأ سد أليسو التركي بالعمل بداية الشهر الجاري، الأمر الذي يهدد اقتصاد العراق بالصميم، بينما يحمل مسؤولون الحكومة مسؤولية ذلك.

تقصير حكومي عراقي

وفي الخامس من حزيران الجاري أعلن السفير التركي في بغداد، فاتح يلدز، أنّ رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي على علم بتفاصيل سد أليسو منذ عام مضى، مؤكدا أنّ إجراءات إنشاء السد تمّت بالاتفاق مع المسؤولين العراقيين.

وقال يلدز، في مؤتمر صحافي عقده بمقر السفارة في بغداد، إنّ بلاده "أبلغت رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي، خلال زيارته لتركيا في آذار/ مارس 2017، باكتمال بناء سد أليسو، وموعد ملئه بالمياه"، مبينا أنّ "اللجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين اتفقت على موعد خزن المياه في السد في 15 من مايو/أيار الماضي، ومعالجة المشاكل بعد خزن المياه، والاتفاق على عقد اجتماع آخر في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني لبحث التطورات والمشاكل".

وأكد أنّه "تم الاتفاق بين العراق وتركيا على تحديد الكمية المناسبة للسد"، نافيا "قطع المياه بشكل كامل من تركيا باتجاه نهر دجلة"، مشيرا إلى أن "خزن المياه في سد أليسو، جاء لأجل توليد الطاقة الكهربائية، وبعد أن يتم ملؤه مع خزاناته، وهي مدة سنة واحدة، سيعود كل شيء الى وضعه الطبيعي".

مشاهد غير صحيحة

وعلى الرغم من مشاهد جفاف دجلة في مناطق عدة من العراق وانخفاضه في أخرى، إلا أن السفير التركي أصر على أن "الصور التي تظهر جفافا بنهر دجلة، هي صور غير صحيحة، إذ لا يمكن أن ينخفض مستوى النهر بهذا الشكل، خلال يومين فقط من بداية ملء الخزانات".

وشدد على أنّ بلاده "لن تتخذ قرار الحصار المائي على العراق، وأنّها لن تربط مسألة المياه بمسألة سياسية أو تجارية"، مؤكدا "سنعمل مع الشعب العراقي على تجاوز الأزمة، وأنّ تركيا لن تخطو أي خطوة من دون الاتفاق مع المسؤولين العراقيين، وأنّ الحوارات حتى الآن مستمرة بين الجانبين".

وقال "نحن حريصون على تطوير العلاقات مع العراق، وأنّ السدود تعمل على تنظيم المياه والحفاظ عليها في أوقات الجفاف"، مؤكدا "نحن مكلفون بإيصال صوت العراقيين وردود الأفعال العراقية الى أنقرة تجاه السد".

مواصلة الحوار

من جانبه أكد الرئيس فؤاد معصوم، ونوابه، الأحد، على أهمية مواصلة الحوار مع تركيا لحل أزمة انخفاض منسوب المياه الناشئة عن مشروع السد التركي على نهر دجلة.

واجتمع معصوم اليوم، بحسب بيان للرئاسة، في قصر السلام ببغداد بنوابه نوري المالكي، وإياد علاوي، وأسامة النجيفي.

وذكر البيان أنه "فيما يخص مشكلة المياه مع الجارة تركيا، أكد الاجتماع على أهمية النظر بمسؤولية استراتيجية إلى هذه المشكلة، ومواصلة الحوار مع السلطات التركية المختصة على أساس المصالح المشتركة وبما يضمن تحقيق العدالة في الثروة المائية".

الى ذلك اعتبر رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، أن أزمة المياه تتطلب تدخلا وتحركا سريعا لإيجاد الحلول، التي تسهم في ضمان حصة البلاد من المياه وتقليل الآثار السلبية، وذلك بعد قيام تركيا بتخزين المياه في سد إليسو على مجرى نهر دجلة.

وشدد الجبوري خلال لقائه بالسفير التركي في العراق، فاتح يلدز، الاحد، في بيان أن "أزمة المياه التي بدأت أثارها واضحة على العراق تتطلب تدخلا وتحركا سريعا من قبل كل الجهات الحكومية المعنية والمنظمات الدولية من أجل إيجاد الحلول، التي تسهم في ضمان حصة البلاد من المياه وتقليل الآثار السلبية عبر تحشيد الجهود وإيجاد البدائل المضمونة التي تحقق الأمن والاستقرار في العراق".

وأكد الجبوري أن "العراق يتطلع إلى إدامة التواصل بين حكومة البلدين من اجل ترسيخ الاستقرار وفتح أفاق جديدة من التعاون وعلى كافة المستويات".

الكهرباء اول ضحايا الجفاف

وتهدد ازمة الجفاف في العراق قطاعات مهمة مثل مشاريع تحلية الماء الصالح للشرب والمناطق الزراعية بالإضافة الى مشاريع الكهرباء، اذ علن وزير الكهرباء، قاسم الفهداوي، عن عجز في توفير الطاقة الكهربائية لأغلب مناطق بغداد، داعياً المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك حتى يتم رفد المنظومة بزيادات في الطاقة، وسط مخاوف وتحذيرات من أزمة للمياه.

وقال الوزير الفهداوي، في مؤتمر صحافي عقده مع الأمين العام لمجلس الوزراء مهدي العلاق ووزير الموارد المائية ووزيرة الإعمار والإسكان وأمينة بغداد، في الثاني من يونيو حزيران الجاري "عجزنا عن مواكبة الطلب على الطاقة الكهربائية في المناطق المشمولة بالخدمة والجباية، وتم شمولها بالقطع المبرمج".

ودعا الوزير المواطنين إلى "ترشيد الاستهلاك للطاقة"، مؤكداً أنّ "إنتاجنا للطاقة في هذا العام أكثر من العام الماضي، لكنّ المشكلة تكمن بزيادة استهلاك المواطنين للطاقة". وأكد "سيتم رفد المنظومة بشكل متتال خلال الشهر الجاري، لزيادة التجهيز".

اعلان حرب

وأكد وزير عراقي بارز أن العراق قد يعتبر سياسة إيران وتركيا الحالية بمثابة إعلان حرب وخاصة مع صدور أرقام وتقارير تشير إلى تصحر أكثر من ربع مليون هكتار زراعي (الهكتار = 10000 متر مربع) في العراق بفعل الجفاف الذي ضرب مدن جنوب العراق خلال الأشهر الماضية.

ونقلت صحيفة العربي الجديد عن الوزير الذي لم تذكر اسمه أن مجلس الوزراء شكل لجنة عليا أشبه ما تكون بخلية أزمة لبحث الرد أو التصرف المناسب حيال تلاعب الجيران بحصة العراق المائية خلاف المعاهدات والمواثيق الدولية.

وقال ان "تركيا وإيران سرقتا من حصة العراقيين المائية، الأولى عبر بنائها سدودا على دجلة والفرات، والثانية عبر تحويل مجرى روافد دجلة إلى بحيرات وأنهر داخلية وتحريف مساره ومنعه من دخول العراق".

ولفت إلى أن ما لا يقل عن 30 نبع ماء من إيران تم تحريف مجراها من قبل الإيرانيين، وهناك حتى الآن 17 قرية جنوب العراق وشماله بدأت فيها هجرة من قبل السكان بفعل شح المياه خاصة أنهم يعيشون على صيد السمك والزراعة". وتابع: "العراق ليس ضعيفا بل يستطيع الرد إذا ما شعر أنها حرب فعلية عليه، وحتى الآن ننتظر جوابا أخلاقيا من دول الجوار" على حد قوله.

تصدير الرمال

في دراسة لمركز البيان للدراسات والتخطيط يؤكد "إن صانع القرار العراقي مطالب أكثر من أي وقت مضى باتخاذ قرارات استراتيجية، قبل أن يجد العراقيون بلدهم صحراء متصلة بصحراء الجزيرة العربية". ومنذ قيام جمهورية تركيا في بداية القرن الماضي، رأت القيادة التركية ضرورة الحاجة للاستفادة من منابع نهري الفرات ودجلة في توليد الطاقة الكهربائية والتنمية الزراعية. وفي سبعينيات القرن الماضي بدأ العمل بخطة مشاريع الري وإنتاج الطاقة الهيدروليكية على دجلة والفرات فيما عرف لاحقاً باسم (مشروع جنوب شرق الأناضول). ومن وجهة نظر الحكومات التركية المتعاقبة كان المشروع عبارة عن برنامج تنمية اجتماعية واقتصادية؛ لتطوير قطاعات الري والطاقة، والزراعة، والبنية التحتية، والغابات.

وفي الثمانينيات وسعت الحكومة التركية من خطة المشروع ليتكون من ٢٢ سداً و١٩ محطة لتوليد الطاقة، منها ١٤ سداً في حوض الفرات، وأهمها سد أتاتورك، و٨ سدود في حوض دجلة وأهمها سد إليسو، وتغطي منطقة المشروع تسع محافظات، ويمتد المشروع لمساحة تقدر بـ ٣٠٠ ألف ميل مربع عبر حوضي دجلة والفرات. بحسب ما ترصد دراسة مركز البيان الصادرة في الخامس من اذار مارس الماضي.

إلا أن المشروع توقف في بداية التسعينيات؛ بسبب الحرب الداخلية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، حيث تسببت الحرب في تخفيض تمويل المشروع، وتدمير العديد من السدود والقنوات، ومقتل بعض العاملين في المشروع. وأدّت الأزمات الاقتصادية خلال التسعينيات، مع الحظر الاقتصادي للأمم المتحدة على العراق، إلى إيقاف تمويل المشروع لأوقات محددة إذ كانت تركيا -وما تزال- شريكاً تجارياً أساسياً مع العراق، ومع مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم، شهدت تركيا نهضة اقتصادية واستقراراً سياسياً، وحصل المشروع على تمويل داخلي وخارجي.

وينبع نهر دجلة من مرتفعات تركيا الشرقية، ولكن المشاركة الرئيسة للمياه العراقية في النهر تأتي من روافد العراق، وتشارك تركيا بنحو ٥١% من تدفق دجلة. وعند اكتمال المشروع فإن مياه نهري دجلة والفرات ستنخفض بنسبة قريبة من النصف؛ مما يحرم المدن والقرى العراقية من نحو نصف احتياجاتها من المياه.



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *