لوفيغارو.. لهذه الأسباب لا ينبض قلب الموصل من جديد

تناولت صحيفة لوفيغارو الفرنسية الأوضاع في مدينة الموصل شمال العراق التي تم استعادتها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية عام 2017، وقالت إنها لا تزال أشبه بحقل ضخم من الأنقاض وبقايا المتفجرات، وسكانها يشكون من بطء تقدم إعادة بناء منازلهم ومساجد مدينتهم وكنائسهم القديمة.

وأضافت -في تقرير مطول لمراسلها في الموصل صموئيل فوري- أن صور الدمار تتوالى، منطلقة من تفجيرات تنظيم الدولة وقصف قوات التحالف الذي حول أجزاء من المدينة إلى كومة ضخمة من الأنقاض الممزوجة بالجثث، حيث لا تزال هناك قنابل يدوية ومدافع هاون وصواريخ على بعد أمتار عدة تحت الأرض.

ويقول المتخصصون الفنيون الذين يتفقدون هذه الأنقاض الملغومة إن المهمة طويلة وخطيرة، وإنهم يعرفون متى تبدأ، ولكنهم لا يعرفون متى تنتهي، لأن المدينة القديمة ملغومة بشكل كامل، وقد كان فيها 35 ألف عبوة ناسفة، وهو أكثر من نصف القطع التي تمت إزالتها من الموصل الفترة من يوليو/تموز 2017 إلى يوليو/تموز 2019، وفقا لوكالة الأمم المتحدة لإزالة الألغام التي تنسق عملية إزالة التلوث بالتعاون مع وزارة الصحة والبيئة العراقية.

تدمير ونهب

ويتساءل مدير منظمة غير حكومية تعمل في مشروع إعادة الإعمار عما حدث للمسؤولين المعنيين: هل هو إهمال أم خطأ حتى يحولوا موقعا أثريا مثل كنيسة "الطاهرة" السريانية الكاثوليكية إلى موقف للجرافات والسيارات؟ مشيرا إلى اتهام رجال الشركة الأمنية "جي فور أس" بالتدمير والنهب.

وأضاف "إنه أمر محبط أن يكون لدي المال وفريق من الخبراء الأجانب والمحليين، وقد عملت الخطط مع بعض السلطات المحلية بما في ذلك أصحاب المبنى، ويبقى كل شيء دون تغيير".

وأشار مراسل الصحيفة إلى أن "مليشيات شيعية حصلت على صفقة إزالة الأنقاض، حيث يشترى الطن بمبلغ مئة دولار في الموصل، ليباع بمئتي دولار في أربيل بكردستان العراق على بعد 70 كلم".

وقال أيضا إن هذه الترتيبات تتم على حساب سكان المدينة وإنها قد سببت تأخيرا لمدة ستة أشهر وقد أضرت بالموصل التي كان يعيش فيها أكثر من مئة ألف نسمة عام 2014 عندما استولى عليها تنظيم الدولة، وحيث عاشت بعض العائلات عدة أجيال في قلب المدينة التاريخي والديموغرافي والتجاري.

وهذا القلب الذي لا يكاد يخفق، تحاول كثير من المنظمات والوكالات والشركات إعادته للحياة من جديد، وفي مقدمتها وكالة التنمية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي تجمع الأموال (مليار دولار حتى الآن) وتنسق عملية إعادة الإعمار بالعراق مع الحكومة المركزية، بعد أن أضعفته الحرب مع إيران في الثمانينيات وحرب الخليج عام 1991، وكذلك 12 عاما من الحصار، إضافة إلى ما أعقب ذلك من غزو وحروب أهلية.

ومع أن هذه الوكالة أطلقت برنامجا طموحا لبناء 15 ألف منزل، وتشجيع القطاع الخاص المحلي، فإن التعقيدات كثيرة بسبب اشتراط إثبات الملكية للحصول على إصلاح منزل، مع العلم أن وثائق البلدية تفرقت وبعض الملكيات تعود للعهد العثماني.

ورغم ما تقوله ممثلة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن السكان يعودون على الرغم من كل شيء، فإن الأمور تسير ببطء شديد، كما يقول البقال محمد حسن وهو يقف قبالة كومة هائلة من الركام تمثل جامع النوري الشهير "انتظرنا ثلاث سنوات للتحرير ونحن نعيش منذ عامين بين الأنقاض ولا ندري كم سيستمر هذا الوضع".

انتظار طويل
وينبه مراسل الصحيفة إلى أن على البقال الانتظار بضع سنوات أخرى لأن المسجد جزء من مبادرة "إحياء روح الموصل" التي أطلقتها منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) وهي جزء آخر من المساعدات الدولية التي تركز على التراث، بعد أن تتم إزالة الأنقاض التي تقدر بنحو مليون و875 ألف طن على مساحة 250 هكتارا.

ويتعلق المشروع بالمسجد نفسه وكنيستين ومنارة الحدباء الشهيرة التي بنيت عام 1172 وانحنت بالفعل بعد 150 سنة، عندما زار الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة المكان، وهي الآن أنقاض لم يبق إلا أساسها، ولا أحد يعرف هل ستتم إعادة بنائها بشكل صحيح أم سيتم ميلانها بشكل مصطنع.

ومن المسلم به أن الوضع قد تحسن منذ إقالة المحافظ السابق نوفل العاكوب الذي طالته الاتهامات بالفساد وخسر ثقة الحكومة وأهل الموصل، وذلك لتدميره أنقاض المنازل التراثية في البلدة القديمة المواجهة للنهر لبناء مشروع عقاري لم يكتب له النجاح.

ومع أن المحافظ الجديد منصور المرعيد يتمتع بدعم السلطات والأكراد، فإن الضبابية الإدارية لا تزال قائمة، إذ يبدو أن المدير السابق للجنة إعادة الإعمار قد تم فصله، ومع ذلك تواصل بعض المنظمات العمل معه، حسب الصحيفة.

وخلصت لوفيغارو إلى أن السكان في المناطق الحضرية لا يزالون يؤمنون بإعادة الإعمار عندما تعود الدولة، ولكنهم يشعرون بالتعب وخطر إنشاء المافيات يزداد على المدى الطويل، وكما يقول أحد العارفين بالعراق "كلما مر الوقت كان من الصعب استعادة السيطرة".

وتساءلت "هل الحكومة على علم بأن محافظة الموصل تحصل فقط على 1% من ميزانية العراق، رغم أنها تمثل ما نسبته 6-7% من السكان، دون حساب الاحتياجات المتعلقة بإعادة الإعمار؟" فإن ما يحدث "قد لا يجعل قلب الموصل ينبض من جديد".



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *