الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية على حافة الهاوية

في صالة يغطيها الغبار تستخدم صباحا لتدريبات رقص الباليه في بغداد، يسعى المايسترو محمد أمين عزّت إلى بث روح الحماس في عازفي الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية الذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ ثمانية أشهر.
أمام مكيف واحد للهواء يصارع درجات الحرارة المرتفعة خلال فصل الصيف، يقود عزّت البالغ من العمر 57 عاما فرقة من أربعين عازفا في مقطوعة للمؤلف الروسي موديست موسورسكي، استعدادا لحفل في الثامن عشر من آب/أغسطس في المسرح الوطني في بغداد.
يقبل أعضاء الفرقة على العزف بكلّ جوارحهم، ولا يثنيهم عن شغفهم ما يعيشه بلدهم من اضطرابات.
لكن بعض المقاعد الخالية تشي بأن رفاقا لهم تركوا الفرقة، بعدما توقّفت رواتبهم، ضمن إجراءات واسعة ترمي لمكافحة الفساد.
يبلغ راتب الموسيقي 600 ألف دينار شهريا (500 دولار) وراتب قائد الفرقة 1250 دولارا، وتبلغ التكاليف الإجمالية للفرقة 85 ألف دولار شهريا، وهو مبلغ بسيط لا يقارن بالمبالغ الكبيرة التي اختلسها مسؤولون كبار قبل أن يُقالوا أو يُسجنوا أو يلوذوا بالفرار.
وبموجب الإجراءات الأخيرة، لم يعد ممكنا أن يتقاضى أجرا عن العزف في الفرقة سوى من ليس لديهم وظيفة أخرى في القطاعات الحكومية.

 الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية
لا يملكون المال لحضور التمارين

وبذلك، فقدت الفرقة ثلثها، أما الباقون فهم من المتقاعدين من وظائف أخرى أو من العاملين في القطاع الخاص أو ممن يقتصر دخلهم على العزف مع الأوركسترا.
لكن هؤلاء أيضا لم يتقاضوا أجورهم منذ ثمانية أشهر، بسبب البطء في الإجراءات الرسمية.
ويقول عزّت "الفرقة السيمفونية في خَطر، أنظر لا يوجد إلا ثلث الفريق" الموسيقي.
ويؤكد أن بعض عازفيه لا يملكون المال ليحضروا التمارين، وكثيرون منهم مصابون بالإحباط.
ويضيف "نحن على حافة الهاوية لكننا سنقاوم (…) من خلال ما نقدّمه من موسيقى".
تأسست الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية عام 1970، وقد نجت من الاضطرابات التي مرت بالبلاد على مدى أربعين عاما خلت، وعاشت حربين وحصارا دوليا قاسيا استمر 12 عاما ثم غزوا واضطرابات، وأخيرا اجتياحا من تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد ولم ينهزم إلا مع نهاية العام الماضي.
لكنها اليوم أمام خطر حقيقي على وجودها، كما يشعر العازفون فيها.

فرقة عراقية
الفرقة نجت من الاضطرابات

غير أن رئيس الشؤون الإدارية في وزارة الثقافة العراقية رعد علاوي أكّد أنه "ليس هناك سبب للخوف" وأن الرواتب "ستدفع قريبا".
وأوضح "طلبت وزارة المالية عقودا رسمية مصدقة من قبل وزارتنا، وإجراءات التحقق جارية، وهذا ما يفسر التأخير في دفع الرواتب، مؤكدا أن "الفرقة واجهة فنية للبلد" و"الوزارة تحترم فنانيها وإبداعهم".
لكن العازفين في الفرقة يتخوّفون من أن تكون هذه الوعود مجرّد كلام.
يعتبر سعد الدجيلي البالغ 57 عاما، وهو أستاذ في الطب وعازف فلوت، أن قرار وقف الرواتب عبثي.

الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية
'نحن أمام خطر حقيقي'

ويقول "أنا طبيب توليد وعازف عود منذ الصغر، أُكمل عملي العلمي من خلال مهنتي الفنية وأتمنى الاستمرار طالما أني قادر على ذلك".
وهو قد لا يتقاضى راتبا عن عزفه في الفرقة لكونه يعمل في جامعة النهرين الحكومية في بغداد.
وبينما يتواصل العزف تنقطع الكهرباء، كما هو الحال في عموم العراق، لكن هؤلاء العازفين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 عاما و75، يواصلون العزف مستخدمين ضوء هواتفهم المحمولة على صفحات الألحان أمامهم، لأن الفرقة السيمفونية لا تملك المال الكافي لشراء وقود لمولد الكهرباء.
وتقول دعاء ماجد العزاوي وهي عازفة أوبوا في الخامسة والعشرين من عمرها "مرّت أزمات في الماضي، لكن هذه هي الأسوأ، نحن أمام خطر حقيقي".
وتضيف "أنا وأبي موسيقيان، ولا ندري ما قد يحدث. وإن توقّفت الأوركسترا، ستكون ضربة الموت للثقافة العراقية".
مع عودة الضوء لقاعة العزف، يتصاعد الحماس مجددا لدى العازفين، ويبلغ الأداء ذروته.
وتقول نور، وهي ابنة قائد الفرقة وعازفة على الطبل "ستعيش الموسيقى طالما نحن على قيد الحياة، إنها ثقافتنا".



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *