عندما تُمَزق الديمقراطية المزيفة طبولها

تابعت بانتظام تقريبي تظاهرة الاحتجاج الإعلامي التي تقودها قناة البغدادية الفضائية خلال الأيام الماضية بعد أن قام رجال الديمقراطية التي تتغنى بها البغدادية على ألسنة كوادرها الإعلامية مذ ولدت هذه الديمقراطية في
العراق على حافات سرف دبابات الغزاة الأمريكان والفرس والصهاينة. الديمقراطية التي قتلت اثنين مليون عراقي ورّملت مليون امرأة ويتّمت خمسة ملايين طفل وهجّرت ستة ملايين إنسان .. الديمقراطية التي أنجبت الاجتثاث سئ الصيت وأحالت جيش العراق العظيم إلى قوانين الحل ومؤسسات الدولة العراقية إلى الفناء … الديمقراطية التي ولد من جحرها دستور تمزيق العراق ومن رحمها المتسرطن ميليشيات الطوائف المجرمة وأحزاب الأعراق والأثنيات المتعفنة بالحقد والكراهية والثأر الطاعوني. هذه هي الديمقراطية التي صفّق لها منتفعو قناة البغدادية وغيرهم من قنوات ما بعد الغزو.. ديمقراطية تقتل وتُبيد وتُدمر وتبقى ديمقراطية في نظرهم لا لشئ، إلا لأنها منحت الصائح والنائح وسواهم فرصة الإعلان عن الوباء الذي أكل ذواتهم والسل الذي نخر رئاتهم وهم يتصارعون مع الزمن للاغتناء بالدولار والاشتهار بأي ثوب كان حتى لو كان ثوب عار وعلى حساب العراق أرضا وشعبا.
الديمقراطية التي يتغذى دعاتها بدم الرقاب وشقاء الشعب الذي يُذاع ويُبث بتبجح طافح في برامج موجهة لتحقيق الانتشار الواسع لديمقراطية البغدادية والشهرة لفلان وعلاّن من تجار البؤس ومروجي البضاعة الفاسدة على حساب طيبة شعبنا وضغط الحاجة الأعمى للعوز والفقر والمعاناة من الظروف القاهرة لأهلنا في وطننا الحبيب الجريح. وديمقراطية الحوارات (الشجاعة) تحت نصب الحرية الأسير بقبضات المارينز ومرتزقة بلاك ووتر. هذه الطبول التي طالما دقت لديمقراطية الغزاة وأعوانهم امتدت لها يد الحكام الديمقراطيين أنفسهم ومزقتها في حركات بهلوانية ضاع فيها الصدق مع الكذب والادعاء مع اليقين، وخبرها اليقين عند كاشف الأسرار وحده.
إن أردنا أن نحسن الظن لوهلة, فان لا مناص أمامنا من أن نصرّح إن فضائية البغدادية قد اشتغلت على نظرية إعلامية خاطئة ألا وهي إمكانية ولادة نظام سياسي كفء وديمقراطي من رحم ومخاض الغزو والاحتلال. أي إنها أسست لأسلوب إعلامي يتعاون مع الباطل تحت ذريعة إمكانية ولادة الحق من رحمه المتسرطن. وعلى هذا الأساس انتهجت البغدادية نهج العداء للبعث ولنظامه الوطني وانغمست في مداعبة ومناغمة العملية السياسية وحكومة الاحتلال وتغنت بالديمقراطية التي جاءت بها أميركا المحتلة. هذا التصرف الخاطئ يضع البغدادية وكوادرها الإعلامية في دائرة الشكوك حتى لو علت جل أصوات كوادرها بالادعاء بالوطنية وحب الشعب العراقي. وقد ظل بعض إعلاميو البغدادية أوفياء لنهج العداء المنافق لقادة العراق الشهداء والأسرى حتى وهم يكابدون بطش المالكي وقواته الخاصة.
بصراحة فان الإشارات الدونية لنظام العراق الوطني وقادته الاماجد في نواح النائحين على الديمقراطية التي صدموا بنحرها أو ربما بتمثيل كاذب لنحرها في تداعيات الجريمة النكراء التي ارتكبها المالكي ضد المسيحيين العراقيين في كنيسة سيدة النجاة تضع أكثر من علامة استفهام على المسرحية برمتها. وتجعلنا نضع احتمالا مرجحا هو إن المسرحية قد أُريد لها أن تقدم واجهات سياسية محلية وإقليمية لتمرير جريمة الكنيسة وما تلاها من تفجيرات يوم الثلاثاء الكارثة وزج قناة البغدادية التي يتابعها الكثير من العراقيين لأنها تطرح جوانب من همومهم في برامج تجارية صرفة ولا طائل من وراءها سوى امتصاص نقمة الناس وإظهار وجه زائف لما يسمى بالعملية الديمقراطية الإعلامية لا أكثر ولا اقل. لأننا نعرف يقينا إن البغدادية لم تبتعد يوما عن خط عام هو خدمة العملية السياسية وأقطابها وبأنها قناة مستفيدة من الوضع العراقي المزري وتتاجر به.
إن من بين أكثر القنوات الفضائية, التي انطلق بثها بعد الغزو والاحتلال, التصاقا وخدمة للعملية السياسية, هي قناة البغدادية ولا زال الناس يتذكرون البرنامج المسمى ( خلي نبوكا) الذي عرض في رمضان ويظهر بطولات ويقظة رجال الحرس المالكي على حساب شخصية وأعصاب الممثلين الذين زُجوا في البرنامج في ميلودراما ممجوجة بائسة. وجميع البرامج الحوارية للقناة تصب في خدمة العملية السياسية وتعمل على تقويمها ضمن نظرية الترويج لولادة الأفضل من بطن السيئ. ولذلك فان من الصعب تصديق الفبركة المسرحية للدور الإرهابي المفترض لعدد من موظفي البغدادية إلاّ في كونه جزءا من سيناريو تمرير الجريمة وربما حصرا وتحديدا بعد إجراءات آنية طارئة على مسرح العملية الإجرامية, تقتضي تخريجا من النوع الذي تم الوصول إليه وهو تخريج واقع على الأرجح خارج إطار الخطة المتفق عليها سلفا بين الطرفين.
قناة البغدادية, ولو ظاهريا, اكتوت بنار الديمقراطية التي تغنت بها ولكنها لم تشتم هذه الديمقراطية ولا بكلمة واحدة ولم تتجاسر على العملية السياسية الديمقراطية ولا بحرف واحد رغم حرارة النار التي حاولت البغدادية التظاهر بأنها تكتوي بها. الأمر الذي يجعل أي مفكر يطرح تساؤلات جادة عن حقيقة ما جرى والذي يتم الحديث عن حصوله على أبواب مكتب البغدادية في بغداد. وأول التساؤلات هو: إذا كان موظفي البغدادية متهمين بالإرهاب فكيف تم إطلاق سراحهم بعد اقل من عشر ساعات على احتجازهم؟. وهل ستنقلب البغدادية على من خذلها وأوقع بها إن كان ما يدعيه النائحون والصائحون حقيقة وليس اتفاقا مدفوع الثمن؟.
إن الإعلام الذي انتمت له البغدادية بعد الاحتلال هو إعلام العلمانية، هو انتماء يمثل غلطة الشاطر الذي أسس البغدادية بملايينه أو بما دُفع له من ملايين. الغلطة هي انه قد فاته إن الإعلام الذي سيبقى وينمو في العراق المحتل هو ذاك المنتمي إلى والمملوك من قبل الأحزاب والمليشيات الطائفية والعرقية فقط. ويبدو إن فطاحلة البغدادية لم يتعضوا مما حصل لفضائية الشرقية قبلهم. ولا ننسى أن نشير إلى إننا لا ننكر على أي عراقي شريف يعمل في قناة البغدادية ولا نبخس دور أية كلمة شريفة تنطلق من هنا أو هناك غير إننا نتحدث عن نهج وعن عينات اعتاشت وارتزقت على حساب احتلال أرضنا وعلى حساب مأساة شعبنا. واليقين الذي تم وظهر هو إن الديمقراطية التي صفقت لها البغدادية هي ليست ديمقراطية حقيقية وأهل البغدادية خير مَن يعلم بذلك غير إنها تمادت في التمثيل حتى تمزق طبلها الناقر من بغداد المحتلة. وصرخة في وجوه البعض من كوادر إعلام ما بعد الغزو والاحتلال: لقد تماديتم في نهش جسد الأحرار فانتبهوا وانتهوا, ونحن رغم كل ما سبق ندين خنق الحريات وتكميم الأفواه ونرى في غلق البغدادية عملا غير أخلاقي.

 

بقلم: كاظم عبد الحسين عباس



لا توجد تعليقات


اترك تعليق

لن نظهر بريدك الالكتروني - الحقول (*) مطلوبة *